
منذ وصول نظام ولاية الفقيه إلى السلطة في إيران أصبح الأمن القومي العربي بشكل عام والأمن الخليجي بشكل خاص يواجه تهديدا وجوديا ويظهر ذلك جليا في تصريحات المسؤولين الإيرانيين حيث دائما ما تكون أول نقطة تطرح على الطاولة هي وجود القوات الأجنبية في الخليج.
وفي المقابل كانت دول الخليج دائما حريصة على التعامل بقواعد حسن الجوار الذي تفرضه القيم التي تربت عليها هذه المجتمعات وتقف الجزر الإماراتية المحتلة من إيران شاهدا على ذلك إلا أن الأمر هذه المرة لم يعد قابلا للاستمرار حيث أتضح جليا أن إيران كانت تعد منذ زمن طويل لاستهداف دول الخليج عسكريا ولم تميز في هذا الاستهداف من كنا نحسبه صديقا مثل قطر وعمان.
وبما أن الأمن القومي العربي يصبح بدون معنى إذا لم يشمل الأمن القومي الخليجي يحقّ للمواطن والمقيم في دول الخليج العربي أن يتساءلا بقلق صادق أين مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك، وفي مقدمتها الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ودول الخليج تتعرض لتهديدات مباشرة وعدوان إيراني متكرر؟ أين الأصوات التي ملأت الفضاء العربي حديثًا بشعارات التضامن والمصير الواحد؟ وأين الدول العربية والإقليمية الكبرى حين اشتد الأمر، وأصبح الأمن الخليجي في عين العاصفة؟
إن هذا السؤال ينبثق من تاريخ طويل كانت فيه دول الخليج، حاضرة في المشهد العربي حضور الشريك والسند. فمنذ عقود، فتحت هذه الدول أبوابها لملايين العرب، فاستقروا فيها، وعملوا، وبنوا بيوتًا، وربّوا أبناءً، وتشابكت مصالحهم وحياتهم مع حياة الخليج نفسها. ولم يشعر أيٌّ من العرب الذين أقاموا في الخليج أنهم في منفى، بل في فضاء عربي رحب وجدوا فيه الكرامة والفرصة والاستقرار.
ولم يقتصر دور دول الخليج على الاستضافة وفتح أبواب الرزق، بل امتد إلى دعم الأشقاء في لحظات العسر. وفي مقدمة ذلك القضية الفلسطينية التي لولى الدعم الخليجي لأصبحت في أمر كان .. فعندما تعثرت اقتصادات عربية، أو انهارت مدن تحت وطأة الحروب، أو ضاقت الأحوال بشعوب تبحث عن نافذة نجاة، كانت دول الخليج حاضرة بالمساندة والدعم والإغاثة والإسناد الاقتصادي والسياسي. وهذه ليست دعاوى خطابية، بل حقائق عرفها العرب في أكثر من بلد، وشهدوا آثارها في تفاصيل حياتهم وفي استقرار دولهم.
لكن صورة الإقليم اليوم تكشف حقيقة لا ينبغي تجاهلها: فدول الخليج تنظر إلى إيران بوصفها مصدر التهديد الأول، بحكم الجغرافيا، وبحكم التجربة المباشرة، وبحكم السلوك الإيراني الممتد في أكثر من ساحة عربية. وفي المقابل، تنظر دول عربية أخرى إلى إسرائيل باعتبارها الخطر الأبرز في ترتيب أولوياتها.
وهنا تبرز نقطة جوهرية ينبغي قولها بوضوح: لا يمكن أن تصبح القضية الفلسطينية مقياسًا وحيدًا للأخلاق السياسية، ولا معيارًا حصريًا يوزع صكوك البراءة والغفران. إن رفع شعار فلسطين لا يجعل من أي طرف صديقًا، ولا يمنحه حصانة أخلاقية فالدم العربي لا يسقط بالشعارات. والوقوف مع فلسطين، حتى لو كان حقيقيًا، لا يبرر أبدًا الاعتداء على الخليج، ولا يبرئ مشروعًا توسعيًا، ولا يمحو سجلًا طويلًا من التدخل والتخريب وبناء الميليشيات واختراق الدول العربية.
إن القضية الفلسطينية قضية عادلة ومركزية في الوجدان العربي والخليجي خصوصا، لكن عدالتها لا ينبغي أن تتحول إلى مظلة تبرر الصمت عن مظالم أخرى، أو إلى ستار يُغضّ به الطرف عن تهديدات تمس أمن الخليج واستقرار مجتمعاته. ففلسطين لا تمنح أحدًا صك غفران، ولا تعفيه من المحاسبة على ما يرتكبه في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن أو في استهداف أمن السعودية والإمارات وبقية دول الخليج. ومن الخطأ الفادح أن يُختزل الموقف الأخلاقي العربي في سؤال واحد: هل يرفع هذا الطرف شعار فلسطين أم لا؟ لأن هذا الاختزال هو ما أفسح المجال أمام قوى إقليمية لتقدم نفسها حامية للقضية الفلسطينية، بينما تمارس في الواقع سياسات تهدد العرب في أمنهم ووحدتهم واستقرارهم.
فإيران، في التجربة الخليجية والعربية، لا تُقرأ من زاوية الشعارات، بل من زاوية الأفعال. وهي الدولة التي جعلت من الميليشيات أداة ثابتة للنفوذ والضغط والاختراق داخل العالم العربي. فمن صواريخ الحوثي التي استهدفت المقدسات والمنشآت الحيوية في السعودية، إلى استهداف أبوظبي بدعم وتسليح وتدريب إيراني، إلى أدوارها المعروفة في سوريا ولبنان واليمن، يتضح أن مشروعها لا يقوم على نصرة العرب، بل على توسيع النفوذ ولو كان الثمن تمزيق المجتمعات العربية وإضعاف دولها.
ومن هنا يمكن فهم الرسالة التي صرح بها المستشار السياسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش حيث قال يحقّ لنا في دول الخليج العربي أن نتساءل: أين مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك، وفي مقدمتها الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ودولنا وشعوبنا تتعرض لهذا العدوان الإيراني الغاشم؟ وأين الدول العربية والإقليمية "الكبرى"؟ في هذا الغياب والعجز، لا يجوز لاحقًا الحديث عن تراجع الدور العربي والإسلامي أو انتقاد الحضور الأمريكي والغربي.
لقد كانت دول الخليج العربي سندًا وشريكًا للجميع في أوقات الرخاء… فأين أنتم اليوم في وقت الشدة.
ومع ذلك، فإن العتب الخليجي لا يتجه إلى الحكومات والمؤسسات وحدها، بل يمتد أيضًا إلى مساحة وجدانية أوسع تتعلق بالشعوب العربية. فالشعوب الخليجية ما زالت ترى في الشعوب العربية عمقها الطبيعي وامتدادها الإنساني والتاريخي، لكنها تنتظر في لحظات المحنة كلمة تعاطف واضحة، وموقفًا أخلاقيًا لا يلتبس، وصوتًا يعلن أن أمن الخليج ليس شأنًا محليًا معزولًا، بل جزء من أمن العرب جميعًا.
وفي ظل هذا الغياب، يصبح من الطبيعي أن تتراجع الثقة بمؤسسات العمل العربي المشترك، وأن يشعر المواطن الخليجي بأن كثيرًا من الشعارات التي رفعت باسم التضامن لم تصمد أمام الاختبار الحقيقي. فحين يتعرض الخليج للخطر، لا ينبغي أن يُسأل أولًا عن موقفه من هذه القضية أو تلك حتى يستحق التعاطف. رغم أن أمن الخليج قيمة قائمة بذاتها، والاعتداء عليه عدوان مرفوض بذاته، لا يحتاج إلى تبرير إضافي.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح أن التضامن العربي ينبغي أن لا يكون انتقائيًا، ولا يجوز أن يُبنى على معايير مزدوجة. من حق فلسطين أن تحظى بالدعم، لكن ليس من حق أحد أن يتخذها ذريعة ليعتدي على الخليج ثم يطالب العرب بالصمت. فالقضايا العادلة لا تبرر الظلم، والشعارات الكبرى لا تمحو العدوان، ومن يعتدي على الخليج لا يصبح صديقًا لمجرد أنه يرفع راية فلسطين.
