بين الصدى والمنهجية: إشكال النقاش في القضايا التقنية / سيد محمد سيد المصطف

جمعة, 20/02/2026 - 17:02

شهد الفضاء العام في الآونة الأخيرة اتساعا ملحوظا في تداول القضايا ذات الطبيعة التقنية، وهو تطور إيجابي من حيث تعزيز النقاش العمومي وتوسيع دائرة الاهتمام بالشأن العام. غير أن هذا الاتساع يرافقه، في كثير من الأحيان، اختلال منهجي يتمثل في تضخم الآراء والانطباعات على حساب الدقة الفنية، بحيث يغدو وزن القول مقترنا بمدى انتشاره وصدى تداوله وحتى بصاحبه، لا بمتانة أسسه العلمية أو إحاطته المفاهيمية. وتزداد خطورة هذا الخلل حين يتعلق الأمر بمجالات عالية التخصص تقوم بطبيعتها على تداخل أنظمة قانونية وتقنية متعددة، كما هو الشأن في المالية العامة، التي تقتضي إلماما منهجيا بوحدة الإطار الناظم لمفاهيمها وأدواتها. ومن ثم، فإن الإشكال المطروح لا يتعلق بشرعية النقاشات في حد ذاتها، بقدر ما يرتبط بحدود المنهجية التي ينبغي أن تؤطرها.

فالمالية العامة ليست حقلا قابلا للاختزال في بعد واحد، بل هي تخصص محوري وملتقى تتقاطع فيه القواعد الجبائية والميزانوية والمحاسبية ضمن إطار قانوني واحد يحكم تسيير المال العام. ومن ثم، فإن الحديث فيها يقتضي الإحاطة، في آن واحد، بقواعد القانون الجبائي المتعلقة بالموارد من حيث تحديد الوعاء وتصفية الضريبة وتحصيل الإيرادات، وبقواعد القانون الميزانوي التي تنظم إعداد قوانين المالية ومضمونها وتقديمها والمصادقة عليها وتنفيذها ومراقبتها، وبقواعد المحاسبة العمومية التي تحكم تنفيذ عمليات الإيرادات والنفقات ومسـك الحسابات وتتبع عمليات الخزينة. وبمعزل عن هذا الترابط، لا يكون تناول هذا المجال إلا تناولا مبتورا لمجال يقوم، في جوهره، على وحدة الإطار القانوني الناظم لتسيير المال العام، كما كرسه الدستور المالي المتمثل في القانون النظامي المتعلق بقوانين المالية.

ولا يقف الأمر عند هذا المستوى القاعدي؛ إذ إن الانتقال إلى تحليل أعمق للمالية العامة، في إطار مقاربة ماكرو-اقتصادية، يقتضي إلماما بالمؤشرات الاقتصادية الكلية وبقواعد المحاسبة الوطنية التي تؤطر قياسها وتحليلها. فمناقشة قضايا مثل العجز الميزانوي أو التجاري، وعلاقته بالدين العمومي والبطالة والتضخم وتثبيت الأسعار والقدرة الشرائية، تقوم على أدوات تحليلية تختلف بطبيعتها عن قواعد التسيير الجبائي أو الميزانوي. ذلك أن هذه المقاربة لا تقتصر على عرض القواعد التنظيمية، بل تتصل بتفسير آثارها الاقتصادية الكلية.

وفي ضوء هذه الخصوصية، فإن هذا الاختلال لا يرتبط بطبيعة هذه القضايا وحدها، بل يتصل أيضا بضعف حضور المختصين في النقاش العمومي وتأخر تدخلهم في تصحيح القراءات غير الدقيقة، وهو ضعف لا يعود إلى طبيعته الذاتية فحسب، بل يرتبط أيضا بعوامل بنيوية، من بينها طبيعة الفضاء الإعلامي القائم على الإيقاع السريع والاختزال، وما تفرضه الوظائف التقنية من واجبات تحفظ تحد من الانخراط المباشر في المجال العام. فحين تغيب الخبرة الفنية أو تنسحب منه، تفسح المجال، بحكم طبيعة الفراغ المعرفي، لهيمنة الانطباعات والقراءات التقريبية، بما يؤدي تدريجيا إلى ترسيخها بوصفها مسلمات متداولة.

تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في النقاشات الأخيرة حول الضرائب على التحويلات الرقمية، التي كانت مفيدة من حيث إثارة الموضوع، لكنها كشفت عن هشاشة في الاستيعاب وسوء الفهم لدى كثير من متصدري الشأن العام، من رؤساء أحزاب ونواب وغيرهم. فقد بدا واضحا أن لدى الكثيرين إشكالا في التمييز بين وعاء الضريبة ونسبتها وطبيعتها، فضلا عن اختزالها في كونها عبئا مباشرا على المصارف، والحال أن الضريبتين المعنيتين تُعدان من الضرائب غير المباشرة، إذ تم تبويبهما صراحة ضمن الكتاب الثاني من المدونة العامة للضرائب المتعلق بالضرائب غير المباشرة. وهذه الأخيرة تقوم بطبيعتها على التمييز بين المكلف القانوني بالأداء le redevable légal والمكلف الفعلي le redevable réel الذي يتحمل عبئها الاقتصادي، بما يجعل انتقال كلفتها إلى الزبون أمرا منسجما مع منطقها الجبائي وليس نتيجة سوء تأويل.

كما غاب عن النقاشات المصاحبة إدراك وجود آليات مؤسسية قائمة أوكل لها المشرع مهام تحليل السياسات الجبائية وتقييم آثارها الاقتصادية والاجتماعية واقتراح إصلاحاتها، مثل وحدة السياسات الجبائية (UPF) التابعة لوزارة المالية.

وخلاصة القول أن الإشكال لا يكمن في اتساع النقاش العمومي في ذاته، بل في حدود المنهجية التي ينبغي أن تؤطره حين يتعلق الأمر بقضايا تقوم على بنى معرفية مركبة. فالمسائل ذات الطبيعة التقنية لا تستقيم معالجتها إلا في إطار الإحاطة المفاهيمية ودقة الأدوات التحليلية، بما يجعل القول فيها قائما على ميزان المعرفة لا على ميزان الصدى. ويظل ذلك، في نهاية المطاف، رهينا بحضور الخبرة المهنية في المجال العام وقدرتها على الاضطلاع بدورها التوضيحي في الوقت المناسب.