باطلة الأياطيل : قرار منع الطلاب من التسجيل أية قرارات هذه حيال الفقراء / فيصل محمدو ننهاه الزروقي

أربعاء, 06/11/2019 - 15:50

 

" فكما أنه ليس من صالح الوصي أن يبلغ الأطفال رشدهم، كذلك ليس من غرض المستبد أن تتنور الرعية بالعلم".
لم يكن الكواكبي الذي أبصر ظلم الجبابرة في الشرق وحده الصارخ في وجه الظلم والاستبداد، الكاشف عن سرائرهم وأعوانهم من العامة وفقهاء صكوك الغفران، بل كان هناك فلاسفة ومفكرون تحجرت الدموع في مآقيهم، وتفطرت قلوبهم من واقع أوطانهم الراضخة تحت نير الظلم والقهر، فكان جبران خليل جبران أبرز من بصق على مؤخرات الحكام ونذر ريشته وقلمه السيال لشق عمائم الكهان وفقهاء البلاط، الذين كانوا السند الأول والأهم للسلاطين في سياسة الحكم وقهر الرعية المستضعفة.
أما في هذا المنكب البرزخي، (موريتانيا) فقد تحالف رجل الدين مع صاحب السيف ودجنوا فكر عامة الناس بمدلولات جلها من بينيات أفكارهم، وعضوا عليها بالنواجذ، ليبقوا هم دائما في عليين، فانصرفت همم السواد الأعظم صوب الحرف والزراعة، بعيدا عن التعليم والنتوير، وصنع لها جدار من الاسمنت الفقهي البعيد عن الإنسانية والفضيلة، والذي لايزال قائما في بقاع هذه الأرض البور،  رغم المسار الطويل لنضال بعض الحركات التي خاضت حروبا طاحنة ضد الإقصاء والتهميش والمعاملة القذرة التي يتعرض الطبقات الهشة خصوصا من الأرقاء السابقين، والزنوج وغيرهم، ليس لأن الجلادين لا يعلمون مكانة الحرية ومشاركة الكل في عملية النهوض، كلا ، بل لأن مصالهم الاقتصادية سيطالها الضرر، ولأن مكانتهم الاجتماعية وأحقيتهم في احتكار مقدرات الشعب وخيرته، يرونها وحي مقدس، عز من يراهن عليه، وتلك رزية لا نستغرب منها مادم هذا الشبل من ذلك الأسد، فقريش حينما بعث النبي محمد، لم تعر اهتماما أكبر عن توحيد الإله، أكبر من خوفها على المصالح الاقتصادية والشموخ عن التساوي مع طبقات في أسفل السلم الإجتماعي.

والأمثلة كثيرة وبإمكاننا سرد المزيد ، بيد أن حالتنا تكفي لفهم الحدث، فمايدور في هذا البلد إعلاميا أغلبه جزافا ومخض أكاذيب وهو ما أوصل الدولة إلى ماهي فيه من خوف وهلع شديدين جعلها تسد الطريق في وجه طلاب العلم "ولات حين مناص"

ولا شك أن الكثيرين يدركون أبعاد وفداحة قرار الدولة الرامي إلى منع كل من وصل سن الخامسة والعشرين من دخول الجامعة، لكن هناك بلهاء لا يدركون أبعاده الوخيمة عليهم وهم سواد الشعب المراهن عليه دوما في الانتخابات!!!.
 وهذا ماجعلني أسطر هذه الأحرف بكل حرية ودون خوف ولا طعم مما يرهبون به كل من يشير إلى مخططاتهم اللا نبيلة.

تعود خلفيات القرار  الذي يزعمون إفكا أنه يرمي لإصلاح التعليم، إلى جملة من الأسباب لعل من أبرزها

_ خروج الطبقات الهشة عن طاعة الجلادين: 
وهو ما أبانت عنه الانتخابات الشبه عرقية الأخيرة، حيث وجهت هذه الطبقات صفعة قوية لأصحاب الشرف الموروث، وبصقت على وجوههم في صناديق الاقتراع، فلم يفلح فقهاء الرق والبلاط، ولا رجالات الدولة في إقناع الأرقاء السابقين الذين كانوا رهن الإشارة في كل صغيرة وكبيرة طيلة العقود الماضية، بدواعي القبيلة والانتماء المصطنع. 
فلح تفلح في السيطرة عليهم، حين تقاطروا وصوتوا دون أي مقابل مادي لزعيم الحركة الانعتاقية ( إيرا)  بيرام الداه أعبيد، الذي شكل معطفا تاريخيا في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية جعل الدولة تحسب له ألف حساب وتشركه مؤخرا في أمور خفية عنا.

هذا التحول من التبعية إلى التوق للسيادة، الانفلات السياسي الكبير، كانت الدولة العميقة تخشى من وقوعه، لذلك حينما سحب مناضلوا الحركة الانعتاقية البساط من تحت الفقهاء ورجال القبائل، وقادوا بعض نسائهم للمحاكم، وتيقنت الدولة أنه في عصر التكنلوجيا والحريات لا مكانة لطمس الكرامة، سارعت  إلى تلافي الأمر، فقامت بإنشاء وكالة التضامن، الخاصة بالمهمشين، كما قامت بإنشاء محاكم خاصة بمحاربة الاسترقاق، محاكم في دولة فيه رجال فوق القانون.

وظنت الدولة العميقة أنها بهذه الانجازات ستظن تكسب ود الفقراء المطحونين من جميع الطبقات، لكن هيهات، فقد أوصل هؤلاء في الانتخابات الأخيرة رسالة واضحة مفادها، أنهم تائهون، يعانون شتى ألوان الضيم والإقصاء، ولا سبيل لتراجعهم عن قناعاتهم، واليذهب الأسياد إلى الجحيم.
هنا بدى واضحا للدولة العميقة، المكونة من فقهاء البلاط وشيوخ القبائل ورجال الأعمال، (المستبدون بالحكم) أن هذه المرتبة من التنوير والوعي بالمطالب، جاءت مع الفقر والجهل، فكيف إذا صار جل أبناء آدوابة وغيرهم من الفقراء في صفوف المتفوقين بالجامعات، وانضاف إليهم العقلانيون والتنويريون الساخطين على الوضع؛ حتما سيحث تغيير جذري نظرا للفساد المالي والأخلاقي المنتشر في كل زاوية من البلاد. 

إنهم يدركون تماما أن العلم خطر على الرعية ما دام الجور والفساد يشل المؤسسات، " فكما أنه ليس من صالح الوصي أن يبلغ الأيتام رشدهم،كذلك ليس من غرض المستبد أن تتنور الرعية بالعلم"
 فهم يطبقون حرفيا فكر ميكافيلي،  ويحسون جيدا مؤلف الكواكبي، ويريدون أن يظل هؤلاء في غياهب الجهل صبية نيام عوام لا يعلمون شيئا عن الحكم، " والعوام وفقهاء السلاطين هم المصيبة الكبرى "العوام صبية أيتام، نيام، لا يعلمون شيئا والعلماء هم إخوانهم الرائدون" . ولا يخفى عليهم، " أنه لا استعباد ولا اعتساف، إلا مادامت الرعية حمقى، تخبط في ظلام وجهل وتيه"، فتعلم أبناء الطبقات المطحونة رغم قساوة الظروف، هو الصاعقة التي تذهل عقول الجالسين على العرش وتهدد المحاصصة المتعسفة المبنية على أساس القبيلة والعرق.
وأكبر دليل فاضح للأمر هو أن القرار ضرره لا يلاحق غير أبناء الفقراء، فمتى يصل هؤلاء إلى الاعدادية!!؟.
كل من يزور منطقة بورات أو مثلث الفقر المعروف، ( وكر المهمشين والمساكين) وغيره من المناطق الغاصة بالمعوزين في كل مناطق موريتانيا، يجد أن غالبية الأبناء لا يصل الاعدادية إلا في مرحلة متقدمة من العمر، وأحيانا تكون سنين السجل المدني أكبر بكثير فلا يتكن من دخول الاعدادية، وقد شاهدت عدة حالات في بلدية انتيكان بالترازة سنة 2017. وعدد فظيع من الحالات في الحوضين  يوليو 2018 خصوصا في منطقة باسكنو.
وخلال الأسابيع الماضية وجدت أكثر من امرأة متأسفة عند وزارة التعليم وبعض المدارس على حرمان ابنها من مواصلة دراسته بسبب هذه الأسس الواهية، وتألمت كثيرا لأني أعلم تمام اليقين، أن صاحب الفأس في حرثه، والمهمشون عموما في الداخل، وحتى في أحياء الصفيح بانواكشوط لا يدركون قيمة سن التمدرس وتمر عليهم السنين ما أدخلوا أبنائهم المدارس، وإذا أدخلوهم، فإنهم في مدارس نظامية، ولم يبلغوا شسع نعل ابن الوزير وابن رجل الأعمال (..) الذين ماتغيب عنهم مدرس طيلة السنة وينهلون عليه في المنزل، فأني لهم بضعف المستوى والرسوب في الاعدادية أو الباكلوريا!!؟.، عكس أبناء الفقراء الذين تمضي عليهم شهور في الداخل ماجلسوا على مقاعد الدرس، ويفترشون الحصائر البالية!! .. وليس من رأى كمن سمع. 
فكيف يستوي من ينهل من المعارف التركية والمدارس الفرنسية والأمريكية بانواكشوط، مع ابن مني أوفلاح، يقتات على الفصوليا والقديد والسمك المجفف (كج).
هؤلاء هم سيعجز عن تحصيل معد 8/20 في الشهادة الاعدادية ويتسربون بعد محاولات يائسة للشارع ويتكدسون في مراتع الجهل والتخلف.
أما سواهم من أبناء المترفين القابضين على الحكم، فلا يعجزهم النجاح وحجز معقد بكل سهولة في جامعات المغرب أو الجزائر أو تونس داكار....الخ
إذا تو جد أي جامعة في العالم لديها سن محدد للتمدرس، فكيف تحدده جامعة خارج نطاق التصنيف العالمي، وفي دولة بها أكبر نسبة للأمية بغرب وشمال إفريقيا!!؟ يبعث على الحيرة والأسى.

_  السبب ثاني يكمن في كثرة حملة الشهادات العلياء العاطلين عن العمل من أبناء الطبقة الوسطى والمترفة، وكذلك منافسة الكثيرين منهم لأباطرة  في الادارات، رغم الاختلاف في المستوى الفكري والتوجه السياسي، فإلى حد قريب كانت الدراسة في جامعة نواكشوط تقف عند الإجازة فقط( المتريز)، مما يبرهن على الدولة لم تكن تريد لأبناء الفقراء أبدا الحصول على شهادات عليا في البلد، غير أنه ابتداء من سنة 2009 فرض نظام ل.م.د نفسه، الأمر الذي جعل أعدادا هائلة تحصل على شهادات عليها في بلدها، ثم تواصل لأخذ أخرى مع تجارب في بلدان أخرى، وبما أن التشغيل لا سخطع هنا إلا لمعايير الزبونية والقبيلة فقد تكدست العشرات واسود الوطن في جوهم، ولسعهم الباعوض في أعماق إفريقيا، ولجئوا لأسيا والغرب، ولا يزال هنا من ينتظرون بصيص أمل مشكلين إحراجا كبيرا للدولة والقبيلة التي صار شيوخها عاجزين عن توظيف أبنائهم، فمن باب أحرى تابعيهم وتابع تابعيهم!!.
رغم أن البلد يعوم على الغاز والحديد وفي أعماق محيطه البحري كنوزا من الثروة المتجددة!!؟.
مما يعني أن الدولة تعاني من خلل عميق في التسيير، سيكون له سيء الأثر في المستقبل القريب، إذا لم يتم تداركه في الحين.، ولا نستبعد أن يكون لجهات في هذا الجهاز العميق مصلحة في تأزيم الوضع!!؟

وليس غريبا أن نجد من أبناء آوى وبنات بابل، من يدافع عن قرار الدولة ويصف الطلاب والمتضامنين معهم بالأخوج  والمعتدين، ويشجع الشرطة على التنكيل بهم، فنحن أبناء الوطن ونعرف حقائق الجميع، فهؤلاء اعتادوا غسل المؤخرات ومباركة كل قبيح وسيء يصدر من الأعلى، طعما في منصب أو الخوف من الإقالة من آخر، يعلمون حقيقة الأمر، لكنعهم جبناء، وبعضهم مخبر  في جسم الانسانية والتنوير!!؟...( ثعبان مخيف في جسم  طائر بديع الشكل)!!؟
فهؤلاء بدونهم يصبح النظام المستبد عاجر عن الحكم،( المستبد فرد عاجز، لا حول له ولا قوة إلا بأعوانه، أعداء العدل وأنصار الجور)...
فهؤلاء لهم وجوه من خشب محنطة بالنفاق، يميلون مع كل قائد، "يقلبون موازين الأخلاق، فيجعلون من الفضائل رذائل ومن الرذائل فضائل".
فأي علاقة بين تواصل أو غيره بالاعتصام!؟، كم من متظاهر ومعتصم لا يقدر على وجود تواصل!!. ضللوا غيرنا، فنحن كبار؟. 
ففي كلا النقابات قلقمي ومعتصم وهولاكو!!؟؟ لكن القضية قضية إجماع.
ولستهم أنتم وفقهاء البلاط أول من وقف في رفوف المتشابهات وحمل جرما عظيما، فالمعتصم العباسي ألب الفقهاء على أحمد بن حنبل ليقول بخلق القرآن، بعد فرضها عليهم طوعا وكرها، وآذاقه صنوفا شتى من العذاب والنكال عندما أصر على الرفض. فالمتاجرة باسم الدين لدى فقهاء البلاط ووالمضللين من حاشية الحاكم ورهطه ليست جديدة.
ولنا في جمع التوقيعات وخروج المبادرات المنادية ببقاء عزيز في السلطة، وثورة مجلس الشيوخ عن رواتبهم (...). خير مثال على المجتمع المتأزم، التائه عن البناء والتقدم، وذلك هو عنوان إطلال أخرى قريبا.