شهوة البناء الوطنى اوحديث الى فخامة الرئيس / السعد عبد الله بيه / دبلوماسي و قانوني موريتاني

جمعة, 04/10/2019 - 19:28

مما ينسب للجنرال ديكول القول أن بين أضلعه شهوة لبناء بلده ؛ وهي لعمري كلمة جاوزت الحد في البلاغة والتعبير عما يختلج في نفوس وقلوب وعقول الوطنيين أينما كانوا وكيفما كانوا، إنها كلمة صادفت في قلبي يقينا لطالما قرعته وقارعته بحجج لا تنتهي من المنطق واللامنطق ، حول استحكام الأزمة الوطنية وتخلف الدولة وتأخر العقلية ونضوب الفكرة وقلة المعين ونفاذ الصبر ، لكن أشواق البناء والتقدم لا تزال للمستبصر تلح بلسان الواقع وبلسان الحال ، لقد أنقدحت تلك الأشواق في نفوس أجيال جديدة ، فتحت أسماعها على أخبار العالم ، ثم فتحت أبصارها بسبب الإعلام والسفر ، ثم تفتحت عقولها بسبب الدراسة والوعي ، حديث " كُدْية التخلف" وعَقبة التأخر، هو ما يضج به شباب موريتانيا منذ وقت طويل حتى الآن كله، على مختلف توجهاته ومشاربه ونزوعاته، لقد رأوا بأعينهم دول جوار ودول بَعيدة ، والتنمية فيها تمر مر السحاب وهي ثابتة في استقرارها شامخة في تطلعاتها، بنت الرخاء والعدالة متوثبة للمستقبل ،رغم محدودية الموارد وكثرة العدد وعزلة المكان والمكانة، حتى إذا التفتوا إلى واقعهم رأوا كيف ينحسر العصر ويتوقف الزمن ، وتستحكم الحاجات الابتدائية في الأكل والشرب والنظافة ،ولعمري إن العجماوات في العالم من حولنا تعدت هذا القلق على ما تقوم به حياتها ...
إننا -والحق يقال-لانزال مجتمعا ودولة؛ أسارى فكر وعمل ووضع تقليدي قديم لم نخضعه للنظر والفحص ، محكومين بأفكار مسبقة حول عجزنا وفقرنا المستديم، وكأنه قَدر لنا لا نقلع عنه ولا نستطيع منه الفكاك ، فمنذ يوم وضع أساس مايعرف بدولة الاستقلال عندنا، ونحن على روح واحدة تتناسخ في كل الأنظمة وكل الأجيال مع فوارق سطحية -تظهر وتختفي من وقت لآخر.
لايزال نظامنا الاجتماعي مأسسا على بناء يكاد يتداعى ، لخروجه عن روح عصر المجتمعات الحديثة، ولا يزال اقتصادنا سخرة لإنتاج ريعية لا تقدم بل تؤخر، ولاتزال إدارتنا عصبا مشلولا في الأداء والخدمة ، وهي أوضاع ناتجة عن ملازمة الحال ومعادلة التعود والألفة ، والخوف من خوض غمار جديد الأفكار والمناهج .
ولا علم لي اليوم بسبيل قد يمثل مخرجا لما نحن فيه من الثبات والخروج من زمن العالم، إلا مصارحة النفس والضمير الوطني والاعتراف بفشلنا باللحاق، وهذا الاعتراف ، مقدمة للوعي بسؤال العمل الجديد، وما يتطلبه من الإرادة والرؤية والوسائل وما يبحث عنه من أهداف.
إننا اليوم نأمل - عن وعي - في الرئيس الجديد ، أن يدرك معنا ، الدور الوطني المتجول الذي يبحث عن من يلعبه، وهو دور بث روح البناء على أسس سليمة وأهداف مخططة وبوسائل مشروعة وكفوءة، إن أجيالا من أبناءنا الشباب الموريتاني في الداخل والخارج ، هي وحدها "المادة" التي يمكن أن تمثل حجر أساس في أي مشروع وطني جدي للبناء ، إنهم -سيدي الرئيس- الفئة الإستراتيجية ، التي وحدها يمكن أن تختصر لنا الزمن ، لتعانق موريتانيا دول العالم ، فتكون دولة عصرية ذات بنى اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية وسياحية... جديدة ، وهو وضع لا يحتاج أكثر من الإرادة لتوفر الموارد المنظورة والمنتظرة وتوفر المكان والمكانة( جغرافيا واستراتيجيا).
إن ما ندعوا له اليوم من الشروع في البناء على أسس جديدة، لم يعد مجرد حلم ولا مجرد خيار من بين خيارات أخرى، لقد أصبح فريضة ! لما يشهده العالم المحاذي من أزمات تدع الحليم حيرانا، ولما نعلمه يقينا من عوامل الأزمات التي تبري سهامها وتحد حديدها ، منتظرة اللحظة المواتية للانقضاض علينا - نعم علينا-ألا نرى ما يحدث من التطرف والعنف في فضاء الساحل، ألا ندرك تداعيات عقد الفتنة من الثورات وخراب العمران واندثار الدول، ألا نعرف ماتجره الثروات الاستراتيجية من الطمع والتدخلات، ألا نلحظ الصراع الدولي في عمق منطقتنا، ألا نحس بالتغير العدمي الذي يعصف بوعي الناس وعقولهم.
إن تلك الأوضاع التي لا يماري فيها عاقل ، تحتاج منا غير الذي نحن فيه الآن ، وهو الجواب على سؤال بناء يقظتنا الوطنية الخاصة والتي هي وحدها من ستمثل سياجا وسورا بيننا وبين الشر .
إن ثقتنا مطلقة في انهمام الرئيس بالأوضاع الداخلية والتحديات الخارجية التي يدركها -موضوعيا -أكثر منا جميعا ، وهذه الثقة هي ما جعلتنا نلفت نظره إلى عوامل قوتنا (الرؤية الجديدة، الشباب، الموارد، التسيير والاستثمار الحديث) وعوامل الخطر( التناقضات الداخلية ، والمخاطر الداهمة خارجيا)
والله المستعان .