وراق موريتانية.. لسان حسّاني وملاحف نساء ملونة (1- 2) / حكيم عنكر

أحد, 30/06/2019 - 20:45

بلاد شنقيط، كما هو اسمها القديم، لن تخرج منها كما دخلتها، لا بد أن تترك فيك وشوما وعلامات، وسحرا تمضي وقتا طويلا لفك رموزه وطلاسمه. فالمكان كما يقال هو المعنى، وهو خالق الإنسان أيضا.

هنا تتعلم الكلام وفن الصمت، وتعرف أهمية اللغة، وحسن المنطق. لا يوجد شيء زائد أو وفير عن الحاجة عند ابن الصحراء. الحياة مرتبة على إيقاع معين لا تخرج عنه. قد يكون بطيئا بالنسبة لمدمني السرعة، لكنه في جوهر الوجود وما تقتضيه الحاجة.

الصحراء أيضا مثل قماش، يضيق بالنهار حين تكون الشمس في كبد السماء مسلطة على الرؤوس، ثم تتسع إلى أبعد مدى في الليل. ابن الصحراء يعشق الليل، لأن السماء تمنحه القراءة الشيقة للاتجاهات، السماء مرآه الصحراوي في هذا الامتداد، الذي يقال عنه "رمال متحركة".

" من الجو، تبدو نواكشوط في منتصف الليل، مزقا من الضوء هنا وهناك"

أول ما يلفت الانتباه هو هذا الامتداد، للصحراء منطقها الخاص، تفرضه بهبّة واحدة على جميع الموجودات، البشر المتلفع في "الدراعيات" والرجال الملثمون، والنساء المتلحّفات بالملاحف الملونة، ثم هذا الرمل الكثير الزاحف من كل الجهات. غابات من الرمل تتآلف وتخترق المسام والسحنات وتسد الجيوب الفارغة والثقوب والفجوات، وتستـأسد على الخضرة القليلة.

من الجو، تبدو نواكشوط في منتصف الليل، مزقا من الضوء هنا وهناك. عبر المهبط البحري، تتلالأ السفن التجارية العابرة للأطلسي متجهة إلى مراسيها في الجهات الأربع من العالم. الساحل الموريتاني ممر بحري مهم، عبر جبل طارق في اتجاه رأس الرجاء الصالح.

لقد كان هذا الطريق البحري في ما مضى، هو طريق البحارة التقليدي. الإسبان والبرتغاليون مروا من هنا في فتوحاتهم البحرية، واستقروا في المراسي المتناثرة من نواذيبو إلى نواكشوط فحوض السنغال.

قبلهم عبر البحارة العرب، سادة البحر الأولون، قادمين من أعلى المحيط الأطلسي، حيث ملتقى البحرين، بحر الظلمات والأبيض المتوسط.

في الرحلة من الدار البيضاء إلى نواكشوط، يصبح الملمح الموريتاني أكثر وضوحا من ذي قبل. نساء ورجال قادمون من أماكن مختلفة اجتمعوا صدفة في هذه الرحلة التي تستغرق حوالي ثلاث ساعات إلا قليلا.

تبدأ اللهجة الحسانية في السيطرة على الفضاء اللغوي. النساء يتحدثن على سجيتهن، وبأصوات عالية، وضحكات هناك وهناك، ونكات وأمور البيت تفرش دونما خوف من الخصوصية. أحاول تبين الخطوط الرفيعة لهذه اللغة المليئة بالأمثال والألغاز والعبر وبعض الشعر الفصيح.

إنها لغة كوتها تجارب الصحراويين وحروبهم في هذا المجال المفتوح على كل شيء، ونحتها أصحابها نحتا على مر القرون. التاريخ فيها دافق، وذاكرتها كلغة قوية وأخاذة، وهي تمتح من مفردات المكان ومن أهله. لغة لها إيقاع خاص ورنين، وتومض مثل ذهب مطمور في كثبان تطل بأعناقها على المدى المفتوح.

اللغة هي البشر، وأي لغة تطبع جرسها وموسيقاها على ملامح أهلها. يبدو الموريتاني الذي يتحدث اللغة الحسانية، بملامح هادئة، لا يحرك أطرافه عند المحادثة، ولا يحتاج لحركة إضافية كي يبلغ ما يريده إلى سامعيه. تخرج الكلمات مموجة على الإيقاع ومموسقة، وتتكفل العيون بتتمة البقية. إن اللغة الحسانية تكاد تكون لغة شفاه وعيون، لغة كل جهازها المفاهيمي مترجم في الرأس وحركة الكتفين: الرفض والقبول يتم هنا، والرسالة تصل سريعا إلى المتلقي.

البيضان والحراطين

الفسيسفاء الحادة التي تلون المجتمع الموريتاني، واضحة جدا، لا تصعب قراءتها. هنا يتجاور المواطنون البيض أو "البيضان" مع المواطنين السود أو "الحراطين" والزنوج، وتعني هذه الكلمة "حر ثاني"، أي الذي حصل على حريته بعد سبي أو الذي يأتي في المرتبة الثانية بعد "الحر" من البيضان. يتعايش كل هؤلاء في بيئة واحدة، وأحيانا كثيرة في البيت الواحد.

الأدوار كانت في أزمنة سابقة موزعة، ربما ذابت في فترات تاريخية محددة، خصوصا في فترات ما بعد الدولة المرابطية التي امتدت من موريتانيا وحوض السنغال إلى المغرب والأندلس. وأيضا في الفترة التي عرفت حكم ناصر الدين الذي أسس حركة "التائبين"، وجمعت كل الزوايا والألوان والأعراق في موريتانيا وامتدت إلى مالي والسنغال.

" في الرحلة من الدار البيضاء إلى نواكشوط، يصبح الملمح الموريتاني أكثر وضوحاً"

يكتب الحسين بن محنض في كتابه "تاريخ موريتانيا الحديث، من دولة الإمام ناصر الدين إلى مقدم الاستعمار"، موضحا أهمية الزوايا في تاريخ موريتانيا ودور حركة ناصر الدين في توحيد الموريتانيين البيضان والحراطين، وقضائه على تجارة الرق، "ثم رأى أعيان التائبين من الزوايا ووجوههم أن يبايعوه، لما شاهدوا من اجتماع الناس عليه، ورغبتهم فيه، وحنت نفوسهم إلى إحياء دولة المرابطين من جديد، فنادوا في القبائل بالتقدم لبيعته، فبايعه الناس حوالي سنة 1668م، واشرأبت إليه الأعناق من كل جانب، ولم يعترض أحد على بيعته، فأخذ في تنظيم الوزارة وتعيين الأعوان، وتجييش الجيوش، وتلقب بالإمام، بعد أن كان يتلقب خلال سنوات التوبة الثلاث السابقة بالسيد، وسيتلقب بعد ذلك بمشيع الدين، ثم بناصر الدين، لقب الأمير المرابطي يوسف بن تاشفين".

التاريخ مهم جدا لفهم التنوع العرقي في موريتانيا، وأغلبه مرويات شفوية، لكن الباحثين الموريتانيين في إطار معرفة تاريخهم وتوثيقه وتنقيته من المغالطات والشوائب يبذلون جهودا كبيرة من أجل جمع هذا التاريخ وإعادة كتابته بما يتوافق والروح العلمية.

يقول لي محمد زيدان، وهو إعلامي بارز في نواكشوط، وله برنامج إذاعي اجتماعي تتابعه كل موريتانيا تقريبا، إن لا شيء نخشاه في بلدنا أكثر من إثارة النعرات العرقية. ويرى أن ذلك كفيل بفتح نار جهنم على الجميع.

في الجو الانتخابي المشحون للرئاسيات، تبدو التعبيرات العرقية واضحة، بل أكثر جرأة في الكشف عن نفسها، بخلاف الأوقات العادية. هناك اصطفاف واضح من جانب الزنوج والحراطين إلى مرشحين اثنين من بني جلدتهم.

تجارة العبيد

منذ القرن السادس عشر، حاول الفرنسيون بسط سيطرتهم على البلاد، لكنهم واجهوا طيلة قرون مقاومة شديدة من القبائل والزوايا، التي كانت تدعو السكان إلى تحريم التعامل مع الفرنسيين، ثم في فترات قوة الإمارات التي تعاقبت على حكم شنقيط انتقلت للدعوة إلى الجهاد في وجههم.

لكن مع بداية القرن التاسع عشر، سيسلك الفرنسيون مسلكا آخر في التعامل مع الموريتانيين، وذلك بالانتقال لإخضاعهم بالحديد والنار عبر محطات طويلة حسمت لصالحهم في آخر المطاف.

فقد جاء الفرنسيون إلى موريتانيا للمتاجرة في العبيد في القرنين السادس عشر والسابع عشر، لكنهم وجدوا أمامهم حركة ناصر الدين وهي حركة دينية وسياسية أفلست تجارتهم، فقاوموها بتأليب القبائل الأخرى عليها؛ يقول شامبونو، مدير الشركة التجارية الفرنسية: "إنهم يزدروننا كثيرا بسب الاختلاف بين ديننا وشعوذتهم، ويوهمون شعوبهم بأننا لا نشتري العبيد إلا لنأكلهم. ومنذ أصبحوا سادة البلاد فإن عبدا واحدا لم يدخل إلى سفننا".

مراكش في نواكشوط

يعتبر الموريتانيون مدينة مراكش حاضرة لهم أيضا، إنها تذكرهم بجدهم يوسف ابن تاشفين، مؤسس المدينة، الذي صعد من شنقيط عبر الصحراء ليؤسس إمبراطوريته التي ستمتد إلى الأندلس.

العلاقات المغربية الموريتانية، دائما ما كانت جيدة، ولم يطرأ عليها بعض الفتور إلا في السنوات الأخيرة. وهي ظلت قوية على مدار كل تلك القرون الماضية، يسمها المد والجزر، لكنها لم تنقطع.

وقد كان هناك دائما إمداد عسكري لإمارة شنقيط، من أجل مجابهة التحديات، آخر هذه الإمدادات لما أرسل السلطان المغربي المولى عبد العزيز جيشا لمساعدة الموريتانيين على مقاومة المستعمر في بداية القرن العشرين.

"جاء الفرنسيون إلى موريتانيا للمتاجرة في العبيد، لكنهم وجدوا أمامهم حركة ناصر الدين"

ولعل هذه العلاقات ما زالت راسخة حتى الآن، يكتب بن محنض "أما الشيخ ماء العينين فكان في أقصى الشمال، حيث الوفرة والمنعة والسند المتمثل في القرب من مركز الدولة المغربية وسلطانها، وكان، مع أنه لم يكن يجهل حقيقة القوة الاستعمارية الفرنسية العسكرية والسياسية، حيث كان له عيون يمدونه بأخبار وتحركات الفرنسيين، يرى أنه لا بديل عن الجهاد تحت راية السلطان العلوي ومنابذة الفرنسيين وإجبارهم على التراجع عن مشروعهم الاستعماري. وقام الشيخ ماء العينين في إطار خطته الجهادية بحث السلطان المولى عبد العزيز العلوي على مد البيضان بالسلاح والذخيرة، وتعيين شريف ذي صلة به لقيادة عمليات الجهاد ضد الفرنسيين ببلاد شنقيط".

أوقات الحرب والسلم

لا يمكن قراءة الحاضر بمعزل عن الماضي، فموريتانيا اليوم، هي التكوين الموضوعي لموريتانيا الأمس، حيث الصراعات السياسية والقبيلة والدينية، وحيث عدم الاستقرار والتفكك، في جغرافيا ممتدة، كانت دوما نهبا لطموحات الأجانب في السيطرة عليها.

فالتنوع العرقي الموجود في الدولة ما هو إلا امتداد لهذه القرون الطويلة من الانصهار، في أوقات الحرب والسلم، وفي الدعة والرخاء والشدة والفقر والمجاعة، ولكن في كل هذه الخضات الاجتماعية والسياسية الكبرى، حافظت موريتانيا على لغتها الحسانية من جهة، وعلى لغتها العربية من جهة ثانية، علاوة على مزيج من لغات محلية أخرى قادمة من حوض نهر السنغال.

عرفت موريتانيا في تاريخها الوسيط إمارتان كبيرتان، هما إمارة الترارزة وإمارة البراكنة، وقد حكمتا البلاد خلال تلك الفترة حتى بداية التدخل الأجنبي، الفرنسي والإنكليزي، والصراع بينهما على مناطق النفوذ، فقد كان الترارزة مع الفرنسيين أما البراكنة فكانوا مع الإنكليز، ولعل أحداث القرنين السابع عشر والثامن عشر ستكون حاسمة في تشكل الولاءات بين القبائل العربية الكبرى وجواراتها.

ومن الأمثلة على الولاء للإنكليز يذكر المؤرخ والباحث الحسين بن محنض التالي "وتذكر المصادر الأوروبية أن محمد بن المختار بن آغريشى كان قد أصبح سيد البراكنة الأول في سنة 1779م فكان الإنكليز الذين احتلوا المحطات التجارية الفرنسية في ما بين سنة 1758 و1783م يدفعون له الضرائب العرفية كأمير للبراكنة، ويؤدون له تحية الشرف (خمس طلقات مدفعية) مقابل سبع لأمير الترارزة اعلي الكوري، حين يأتي إلى محطة بودور، ووقع معه الفرنسيون في 10 مايو (أيار) 1785 اتفاقية تجارية اعترفت فيها فرنسا بمحمد بن المختار بن آغريشي كسلطان للبراكنة مقابل حظر تبادل البراكنة مع الإنگليز. وقد تعهد الأمير محمد بن المختار في المادة الثالثة من هذه الاتفاقية باعتراض القوافل المتجهة إلى محطة بورتانديك الإنگليزية. وتحالف محمد مع الدولة المامية الناشئة في فوتا تورو (السنغال)، فشنا حربا على الترارزة، كانت السبب في وفاة الأمير اعلي الكوري سنة 1786".

وهناك أيضا إمارة آدرار، هي إمارة ذات مكون حساني، وقد كانت الحروب القبلية هي السمة الطاغية بين هذه القبائل مجتمعة، تكون الغلبة حينا لهذه الإمارة ثم تميل الكفة إلى الإمارة الأخرى، وهكذا دواليك إلى أن بسط الاستعمار الفرنسي هيمنته على المنطقة، بعد سلسلة محاولات كثيرة، عملت على تفكيك وحدة الإمارات الحاكمة واحدة تلو الأخرى وإخضاعها، ولم تتمكن من ذلك نهائيا إلا يد العقيد كورو، ثم واصلت فرنسا شراستها الاستعمارية بعدما فشلت في إخضاع السكان بالحيلة والمراودة.

يخلص بن محنض في آخر كتابه "وواصلت فرنسا مساعيها للسيطرة على أطراف البلاد، وتنظيمها إدارياً، لكنها لم تتمكن من القضاء نهائيا على المقاومة المسلحة فيها إلا بحلول سنة 1934، وبقيت هذه المستعمرة التي أصبحت تدعى رسميا موريتانيا تحت سلطة فرنسا، إلى أن تم الإعلان، بعد عقود من النضال السياسي والثقافي، عن استقلالها الرسمي يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني) على يد المختار بن داداه أول رئيس للجمهورية الإسلامية الموريتانية المعاصرة".